"الطبشور الذي صار عكازاً للعدم"
تحت وهج الشمس الحارقة في إحدى جولات مدينة صنعاء المزدحمة، يقف "الأستاذ منصور"؛ لا ليوزع أوراق الامتحان كما اعتاد لثلاثة عقود، بل ليمد يده المرتعشة نحو نوافذ السيارات الموصدة. لم تكن يده تطلب المال بقدر ما كانت تلوح لسراب أجيالٍ مرت من تحت إشرافه.
زمن "الوقار"
قبل سنوات قليلة، كان الأستاذ منصور عنواناً للأناقة البسيطة والوقار. كان صوته الرخيم في حصة اللغة العربية يبني في عقول تلاميذه مدناً من الأمل. كان يقول لهم: "العلم يرفع بيتاً لا عماد له". أفنى زهرة شبابه بين سبورات سوداء وطبشور أبيض، خرّج الطبيب والمهندس والضابط، وكان يرى في نجاحهم راتبه الحقيقي الذي يفاخر به الدنيا.
الانكسار العظيم
بدأت المأساة حين توقفت "الرواتب" عن التدفق، وأغلقت أبواب العيش الكريم في وجهه. في البداية، باع مكتبته العزيزة، ثم أثاث منزله، وصولاً إلى ساعته القديمة التي كانت تضبط إيقاع حصصه الدراسية. لكن الضربة القاضية لم تكن الجوع، بل كانت "الخيبة".
حين عجز عن توفير ثمن دواء زوجته، وحين رأى أطفاله يغادرون المدرسة لبيع الماء في الجولات، انكسر شيء ما في داخله. الضغوط التي تراكمت كالجبال على كاهله، حولت ذاكرته إلى شتات. سقط "جدار العقل" الذي صانه لسنوات، ليجد نفسه هائماً في الشوارع، يخاطب الجدران بلغة نحوية فصحى، ويصحح أخطاءً إملائية وهمية على لوحات الإعلانات الممزقة.
بين "التدريس" و"التسول"
اليوم، يرتدي الأستاذ منصور بقايا سترة مهترئة، ويحمل في جيبه قطعة طبشور صغيرة يرفض التخلي عنها. ينظر إلى المارة بعينين غائبتين، أحياناً يصرخ بأسماء طلابه القدامى، وأحياناً يصمت طويلاً وهو يمد يده بذهول، كمن يحاول استعادة كرامة سُرقت منه في وضح النهار.
منصور ليس مجرد رجل فقد عقله، إنه "وطن" فقد بوصلته. هو الشاهد الحي على زمنٍ يُهان فيه من علّم الناس الحرف، ويُترك فيه صانع الأجيال لقمة سائغة للرصيف والنسيان.
لمسة إنسانية:
هذه القصة ليست مجرد كلمات، بل هي صرخة لإنصاف من احترقوا ليضيئوا دروبنا.
بقلم / فيروز حميد علي
