اليمن ....رحلة إلى السلام
بقلم/ سمية حاتم
منذ أكثر من عقد، يعيش اليمن واحدة من أعقد الأزمات السياسية والإنسانية في العالم، أزمة تجاوزت كونها صراعًا مسلحًا لتصبح امتحانًا قاسيًا لقيمة السلام ومعناه في حياة شعب أنهكته الحرب، ورغم ثقل المشهد وتعقيداته، ما يزال السلام في اليمن حاضرًا بوصفه مطلبًا شعبيًا وضرورة وطنية، لا خيارًا سياسيًا مؤجلًا.
الحرب التي اندلعت شرارتها في عام 2014 لم تترك أثرًا إلا ومرّت به؛ دُمّرت البنية التحتية، انهارت مؤسسات الدولة، وتراجع الاقتصاد إلى مستويات غير مسبوقة، فيما تحوّل ملايين اليمنيين إلى نازحين وباحثين عن الأمان في وطنهم أو خارجه. في هذا السياق، لم يعد السلام شعارًا نخبويًا يُتداول في قاعات التفاوض، بل مطلبًا يوميًا يتردد في بيوت البسطاء، وفي أصوات الأمهات، وفي أحلام الأطفال الذين لم يعرفوا من الطفولة سوى الخوف.
السلام في اليمن ليس مجرد توقف لإطلاق النار، بل عملية شاملة تبدأ بوقف العنف وتنتهي بإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمواطنة المتساوية. فالتجارب السابقة أثبتت أن الهدن الهشة، غير المصحوبة بحلول سياسية واقتصادية واجتماعية، لا تصمد طويلًا، سرعان ما تنهار أمام أول اختبار ميداني أو سياسي.
وعلى الرغم من تعثر مسارات التفاوض، فإن السنوات الأخيرة حملت مؤشرات، وإن كانت محدودة، على إمكانية كسر حلقة الحرب. فقد أسهمت الهدن المؤقتة في تخفيف حدة المعارك في بعض الجبهات، وفتحت المجال أمام نقاشات حول ملفات إنسانية ملحّة، مثل فتح الطرق، ودفع الرواتب، وتسهيل دخول المساعدات. هذه الخطوات، على تواضعها، كشفت حجم الحاجة الشعبية للسلام، وأظهرت أن اليمنيين قادرون على التقاط أي فرصة تُبعدهم عن شبح الحرب.
غير أن السلام في اليمن لا يمكن أن يُفرض من الخارج، ولا أن يُختزل في اتفاقات جزئية. فالتجربة اليمنية تؤكد أن أي تسوية لا تُشرك جميع الأطراف الوطنية، ولا تراعي التنوع السياسي والاجتماعي والمناطقي، محكوم عليها بالفشل. السلام الحقيقي يبدأ من الاعتراف المتبادل، ومن الإيمان بأن السلاح لم يعد وسيلة لتحقيق المكاسب، بل عبئًا يفاقم الخسائر.
يلعب المجتمع الدولي دورًا محوريًا في دعم مسار السلام، سواء عبر رعاية المفاوضات أو تقديم الضمانات السياسية والاقتصادية، إلا أن هذا الدور يظل ناقصًا ما لم يُقترن بضغط جاد لوقف التصعيد، وبالتزام حقيقي بإعادة إعمار اليمن ودعم مؤسساته. فاليمن لا يحتاج فقط إلى سلام سياسي، بل إلى سلام تنموي يعيد للإنسان كرامته، ويوفر له سبل العيش والتعليم والرعاية الصحية.
ولا يمكن الحديث عن السلام دون التوقف عند الدور المهم للمجتمع المدني والإعلام. فقد أثبتت المبادرات المجتمعية، والجهود المحلية للمصالحة، أن اليمنيين يمتلكون مخزونًا ثقافيًا واجتماعيًا قادرًا على رأب الصدع. كما أن الإعلام المهني مسؤول عن ترسيخ ثقافة السلام، ونقل صوت الضحايا، ومساءلة أطراف الصراع، بدلًا من التحريض أو الاصطفاف الأعمى.
السلام في اليمن ليس حلمًا مستحيلًا، لكنه طريق طويل يتطلب شجاعة سياسية، وتنازلات مؤلمة، وإرادة صادقة تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. وهو قبل ذلك وبعده حق أصيل لشعبٍ دفع ثمن الحرب من دمه ومستقبله، ولا يزال يؤمن بأن الغد، مهما طال انتظاره، يمكن أن يكون أكثر أمانًا وعدلًا.
في بلدٍ أنهكته الحرب، يبقى السلام هو المعركة الأجدر بالانتصار، والمعنى الأعمق لاستعادة اليمن لنفسه، دولةً وإنسانًا.

