تُظهر تجربة اليمن منذ إعلان الوحدة عام 1990 مسارًا متذبذبًا لمشاركة المرأة في الحياة السياسية والحكومية والقضائية؛ حيث تحققت إنجازات رمزية ومحدودة، مقابل استمرار هيمنة الذكور وتراجع واضح خلال سنوات الحرب بعد 2015..
أولًا: الإطار العام لمشاركة المرأة منذ 1990
-
بعد الوحدة في 1990 أُعيد التأكيد على حق المرأة في التصويت والترشّح، وهو حق كانت قد حصلت عليه في الشمال والجنوب قبل الوحدة، ما شكّل أساسًا دستوريًا وقانونيًا لمشاركتها السياسية.
-
رغم هذا الأساس القانوني، بقي حضور المرأة في مؤسسات التمثيل والقرار محدودًا للغاية، فلم تتجاوز نسبتها في البرلمان، والحكومة، والسلطة القضائية، والهيئات العليا، بضعة في المئة في أفضل الأحوال.
ثانيًا: مشاركة المرأة في المجال السياسي (برلمان، أحزاب، حراك جماهيري)
-
تشير بيانات الاتحاد البرلماني الدولي إلى أن أول امرأة في البرلمان اليمني كانت في برلمان الوحدة عام 1990، مع استمرار ضعف تمثيل النساء في مجلس النواب ومجلس الشورى، حيث لم يتجاوز عدد النائبات أصابع اليد الواحدة من أصل 301 مقعد، ووجود امرأتين فقط تقريبًا في مجلس الشورى في بعض الفترات.
-
في المرحلة الانتقالية بعد 2011 حصلت النساء على حضور نوعي في مؤتمر الحوار الوطني، حيث بلغت نسبة تمثيلهن أكثر من 27% من الأعضاء، وتم إقرار مبدأ كوتا بنسبة 30% للنساء في هيئات ومؤسسات الدولة ضمن مخرجات الحوار، إلا أن هذه الالتزامات بقيت في معظمها غير مطبّقة على مستوى البنية السياسية الرسمية.
-
الأحزاب السياسية ظلت تعتمد على النساء أساسًا ككتلة ناخبة وحشد جماهيري أكثر من كونهن قيادات وصانعات قرار؛ ففي الانتخابات المحلية عام 2006 مثلًا لم يتجاوز عدد المرشحات 168 امرأة من إجمالي نحو 19 ألف مرشح، ما يعكس مقاومة داخلية لترشيح النساء في القوائم الحزبية.
ثالثًا: مشاركة المرأة في السلطة التنفيذية (الحكومة والوزارات)
-
منذ 1990 وحتى 2020 بلغ إجمالي الحقائب الوزارية في الحكومات اليمنية المتعاقبة 444 حقيبة، حصلت النساء منها على 18 حقيبة فقط (نحو 4.1%)، بينما استحوذ الرجال على حوالي 95.9% من الحقائب، وهو مؤشر واضح على التهميش البنيوي للنساء في السلطة التنفيذية.
-
شاركت 11 امرأة فقط في سبع حكومات متعاقبة، وتركزت حقائبهن في وزارات الشؤون الاجتماعية والعمل وحقوق الإنسان، مع توسع نسبي في حكومة تكنوقراط 2014 التي منحت النساء حقائب الإعلام والثقافة، إلى جانب وزارة الشؤون القانونية في حكومة 2016، وكانت حكومة خالد بحّاح في 2014 الأعلى تمثيلًا للنساء بنسبة قاربت 11.7% من أعضائها.
-
منذ 2020 شكّلت حكومة جديدة برئاسة معين عبد الملك تضم 24 وزيرًا دون أي تمثيل نسائي، لتصبح أول حكومة منذ ثلاثة عقود بلا امرأة، ما اعتُبر نقطة تراجع خطيرة قياسًا بما راكمته الحركة النسوية من مكاسب رمزية خلال العقدين السابقين.
رابعًا: مشاركة المرأة في القضاء والسلطة القضائية
-
ظلّ القضاء اليمني لعقود حقلًا شبه مغلق أمام النساء، حيث بقيت مشاركتهن محصورة في عدد محدود من القاضيات وعضوات النيابة، مع غياب شبه كامل عن مواقع صنع القرار القضائي العليا حتى السنوات الأخيرة.
-
في أغسطس 2022 صدر قرار بتعيين القاضية صباح أحمد صالح العلواني عضوًا في مجلس القضاء الأعلى/المجلس الأعلى للقضاء، لتصبح أول امرأة تشغل هذا المنصب الرفيع في تاريخ اليمن الموحد، وهو ما اعتبرته ناشطات خطوة رمزية لكسر احتكار الرجال لمفاصل القضاء، وإن ظل عدد القاضيات عمومًا محدودًا قياسًا بحجم الجهاز القضائي.
-
تقارير حقوقية ونسوية تشير إلى أن النساء يشكّلن نسبة ضئيلة جدًا من القضاة وأعضاء النيابة، مع استمرار فجوات كبيرة في التدريب، والتمكين، والوصول إلى المواقع القيادية في المحاكم والنيابات، بسبب البنية الذكورية للمؤسسات والضغوط الاجتماعية والثقافية.
خامسًا: الاتجاهات العامة والتحديات منذ 2015
-
أدت الحرب الممتدة منذ 2015 إلى إضعاف الحياة السياسية وتجميد الكثير من المؤسسات التمثيلية، ما انعكس مباشرة على تقلص المساحات الرسمية لمشاركة المرأة في البرلمان والحكومة والأحزاب، مع تعطّل الانتخابات وتشرذم مؤسسات الدولة بين سلطات de facto متعدّدة.
-
رغم التراجع الرسمي، استمرت النساء في لعب أدوار غير رسمية في الحراك المدني، والمبادرات المجتمعية، والعمل الإغاثي والحقوقي، لكن دون ترجمة منتظمة لهذه الأدوار في مواقع قرار داخل البنية السياسية والقضائية، لتبقى مشاركة المرأة بين تقدم قانوني وشكلي من جهة، واستبعاد عملي وبنيوي من مراكز السلطة من جهة أخرى.

