في صباحٍ بارد من صباحات ريف عمران، كانت تسنيم تسير على طريقٍ ترابي طويل، تحمل حقيبتها المدرسية كأنها تحمل مستقبلها كله.
إلى جوارها كانت مريم وخديجة، ثلاث فتيات يسرن ضد العادة، وضد الخوف، وضد فكرة أن التعليم للفتاة ترف لا حاجة له.
قالت مريم وهي تشد شالها:
– “تتوقعي نكمل ثانوي يا تسنيم؟ الطريق طويل، والناس تتكلم.”
ابتسمت تسنيم رغم التعب وقالت بثقة:
– “لو وقفنا اليوم، بنوقف طول العمر. التعليم هو اللي بيحمينا.”
قاطعتها خديجة بخوفٍ صادق:
– “وأصوات الرصاص؟ الحرب قربت… أحيانًا أحس إن الدراسة صارت حلم بعيد.”
توقفت تسنيم لحظة، نظرت للطريق ثم قالت
عشان كذا لازم نكمل. الحرب تاخذ كل شيء، بس ما لازم تاخذ عقولنا.”
كنّ يمشين كل يوم مسافة طويلة، رغم القلق، ورغم الأخبار التي تتناقلها القرى عن حرب تقترب، وعن مدارس أُغلقت، وأحلام انطفأت.
لكن إصرارهن كان أقوى.
أنهت تسنيم الثانوية بتفوق، ثم جاءت الحرب بكل ثقلها. نزوح، فراق، خوف، وزواج لم يكن في وقته. انتقلت إلى مأرب، وهناك رأت الجامعة من بعيد، كما يُرى الحلم من خلف الزجاج.
قالت يومًا لوالدها بصوتٍ خافت:
– “بابا… أنا نفسي أدرس. ما أبغى الحرب تكون نهاية طريقي.”
رد عليها:
– “كمّلي يا بنتي، ولو خطوة خطوة. التعليم ما يضيع صاحبه.”
تزوجت، ثم أصبحت أمًا لتوأم، ثم فقدت زوجها في انفجار لغم.
وجدت نفسها فجأة أمام الحياة وحدها، تحمل طفلين، وذاكرة مثقلة بالحزن، ومستقبلًا غامضًا.
لكن تسنيم لم تسأل: لماذا أنا؟
سألت: كيف أواصل؟
عادت إلى التعليم، درست من البيت، ثم من القاعات التي لم تكن تعرف طريقها إليها. نجحت، تعثرت، بكت، ثم وقفت من جديد.
أنهت بكالوريوس التربية، وأصبحت معلمة، وبدأت تطور نفسها بدورات في الحاسوب والسكرتارية، وكل ما يعزز قدرتها على الاستمرار
لم يصبح حلمها أن تكون مهندسة أو طبيبة كما أرادت في طفولتها، لكن الطريق أجبرها أن تكمل بشكل مختلف… طريق التعليم، والتأثير، والسلام.
لم تكتفِ تسنيم بالتدريس فقط، بل شاركت في الأعمال التطوعية، واهتمت بقضايا المرأة والأطفال، ونشرت الوعي بأهمية التعليم في زمن الحرب، مؤمنة أن المرأة المتعلمة هي أول جدار حماية للأسرة والمجتمع.
اليوم، وهي تنظر إلى طفليها، تقول بثقة هادئة:
“السلام يبدأ من هنا… من قلم، من مدرسة، من أمّ لم تستسلم.”
تسنيم لم توقفها الحرب، بل صنعت منها رسالة.
رسالة تقول إن التعليم ليس مجرد شهادة،
بل فعل مقاومة،
وطريق سلام،
وأمل يولد من قلب الألم
اعداد/ ندى عبدالله

