في مخيمات النزوح المنتشرة في محافظة مأرب، لا تُقاس معاناة النساء فقط بما فقدنه من منازل أو مصادر دخل، بل بما يحملنه في أعماقهن من خوف وقلق وذكريات صادمة. فالحرب لم تسرق الاستقرار المادي فحسب، بل خلّفت جروحاً نفسية عميقة، تتفاقم مع استمرار النزوح وتدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.
تعيش النساء النازحات تحت ضغوط مركّبة تشمل فقدان المعيل، وتحمل مسؤولية إعالة الأسرة، والخوف المستمر من المستقبل، إلى جانب القلق من الحوادث المتكررة والظروف البيئية القاسية. هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة، في ظل غياب منظومة متكاملة للدعم النفسي.
ولا تتوقف آثار هذه المعاناة عند المرأة وحدها، بل تمتد إلى الأطفال والأسرة بأكملها، إذ تعد الأم الركيزة الأساسية للاستقرار النفسي داخل الأسرة. وعندما تعاني من اضطرابات نفسية، ينعكس ذلك على سلوك الأطفال وتحصيلهم الدراسي وعلاقاتهم الاجتماعية، ما يهدد بتكوين جيل مثقل بالصدمة.
فجوة كبيرة بين الاحتياج والخدمات
وفي هذا السياق، تؤكد الأخصائية في الإرشاد النفسي والأسري، فاطمة الحرازي، أن الصحة النفسية في اليمن عموماً، وفي مأرب خاصة، أصبحت من الأولويات الملحّة في ظل تدهور الأوضاع المعيشية واستمرار الحرب والنزوح، وما نتج عنه من تراكم الضغوط النفسية على مدى سنوات.
وتوضح أن الاحتياج المتزايد يقابله نقص حاد في الخدمات، حيث لا يمتلك اليمن سوى أربع مستشفيات نفسية على مستوى المحافظات، وهو رقم لا يتناسب مع حجم الأزمة الإنسانية.
وتشير إلى أن محافظة مأرب، التي تضم ما يقارب ثلاثة ملايين ونصف نازح، لا تمتلك حتى وحدة نفسية صغيرة تقدم خدمات سريرية متخصصة، ما يضاعف معاناة النساء والفتيات والأطفال، وكذلك الرجال الذين يواجهون ضغوطاً نفسية كبيرة في ظل الواقع الراهن.
كما لفتت الحرازي إلى ضعف الاستثمار في تدريب وتأهيل الكوادر المتخصصة، وغياب برامج الابتعاث في مجال الصحة النفسية، إضافة إلى عدم وجود أقسام لعلم النفس أو الخدمة الاجتماعية في الجامعات المحلية، الأمر الذي يحدّ من بناء قدرات وطنية مستدامة في هذا القطاع الحيوي.
وتضيف أن المجتمع يفتقر إلى المساحات الآمنة والصديقة التي تعزز الدعم النفسي والاجتماعي، وتوفر متنفساً يساعد على التفريغ النفسي والاسترخاء وتخفيف الضغوط، مشيرة إلى أن الجهود القائمة حالياً، رغم أهميتها، لا ترقى إلى مستوى الألم والمعاناة التي يعيشها المتضررون من ويلات الحرب وآثارها الممتدة.
مبادرة محلية لصناعة التغيير
في ظل هذا الواقع، برزت مبادرة جمعية يمانيات التنموية بإنشاء وحدة متخصصة للدعم النفسي والاجتماعي للنساء داخل الجمعية، استجابةً للحاجة الملحة في مناطق النزوح.
تهدف الوحدة إلى تقديم جلسات إرشاد فردية وجماعية، وبرامج تفريغ نفسي، وتوعية مجتمعية بأهمية الصحة النفسية، إضافة إلى تدريب متطوعات من المجتمع المحلي ليكنّ داعمات نفسيات قريبات من النساء في المخيمات. كما تسعى إلى توفير مساحة آمنة تتيح للنساء التعبير عن مشاعرهن وتجاربهن دون خوف أو وصمة.
ومن المتوقع أن تسهم هذه المبادرة في تقليل مستويات القلق والتوتر، وتعزيز قدرة النساء على التكيف مع الظروف الصعبة، ودعم الناجيات من العنف، وتمكينهن نفسياً واجتماعياً، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الأسرة والمجتمع.
الصحة النفسية… مدخل للتعافي وبناء السلام
إن الاهتمام بالصحة النفسية للنساء في مناطق النزوح ليس ترفاً، بل ضرورة إنسانية وتنموية. فتعافي المرأة نفسياً يعني تعزيز قدرتها على حماية أطفالها، والمشاركة في المجتمع، والمساهمة في بناء السلام.
وفي ظل استمرار التحديات، تبقى الحاجة ملحّة إلى توسيع خدمات الدعم النفسي، وتعزيز الشراكات بين الجهات المحلية والدولية، والاستثمار في تأهيل الكوادر الوطنية، حتى لا تبقى معاناة النساء صامتة خلف خيام النزوح، بل تتحول إلى قصة تعافٍ وصمود وأمل.
الصحة النفسية للنساء في مناطق النزوح… معاناة صامتة ومبادرات تصنع الأمل

