اللحن المبتور:
قصة "عبدالرحمن" الذي غادر باكرًا
في زاوية صغيرة من منزلها المتواضع، تجلس "أم عبدالرحمن" تمسح الغبار عن شهادة تقدير مؤطرة، كُتب عليها بخط عريض: "المركز الأول - المستوى الأول - قسم اللغة الإنجليزية". كانت هذه الورقة بالنسبة لها ليست مجرد تفوق دراسي، بل كانت "تذكرة عبور" نحو حياة ظنت أنها ستكون أجمل.
كان عبدالرحمن، ابن العشرين ربيعاً، يملأ البيت صخباً وحياة. لم يكن مجرد شاب عابر؛ كان يمتلك حنجرة ذهبية إذا "أنشد" فيها، سكنت الأرواح من حوله. كان يحب اللغة الإنجليزية، ويقضي ليله يمارس نطق الكلمات بلكنة متقنة، يحلم بأن يكون جسراً بين ثقافته والعالم.
تقول أمه بمرارة: "كان يغني للمستقبل بالإنجليزية، وينشد للوطن بالعربية، وكأن قلبه يتسع للعالم كله".
الفرحة التي لم تكتمل
قبل الحادثة بأسبوعين، كان البيت يعج بالزغاريد الخافتة. خُطب عبدالرحمن لفتاته التي اختارها قلبه، وبدأ يخطط لعشهما الصغير. كانت أحلامه بسيطة ومقدسة: إنهاء دراسته، وظيفة تليق بتفوقه، وبيت يملأه صوت أطفاله.
في ذلك الصباح المشؤوم، لم يكن هناك صوت للمدافع، كان هناك صمت مريب فقط. خرج عبدالرحمن يبتسم، ربما كان يدندن لحناً جديداً، أو يراجع كلمات إنجليزية للامتحان القادم.
الرصاصة التي قتلت الجميع
لم تكن رصاصة القناص تستهدف جسد عبدالرحمن فحسب؛ بل كانت "رصاصة انشطارية" أصابت قلب أربعة أشخاص في آن واحد:
أمه: التي فقدت "سندها الوحيد" وعينها التي ترى بها الدنيا.
خطيبته: التي تحول فستان فرحها في مخيلتها إلى كفن أسود.
أسرته: التي انطفأ المصباح الذي كان يضيء عتمة أيامهم.
أحلامه: التي سقطت معه على الرصيف البارد.
سقط عبدالرحمن، وبقيت حنجرته صامتة للأبد. لم يكمل مستواه الثاني في الجامعة، ولم يرتدِ بشت العرس.
بقايا حكاية
اليوم، تدخل أم عبدالرحمن غرفته، تشم قميصه الذي لا تزال تفوح منه رائحة عطره، وتنظر إلى كتبه الإنجليزية الملقاة على المكتب. تفتح هاتفه لتستمع لتسجيل قديم له وهو ينشد "يا راكلاً خلف الأماني.."، فتجهش بالبكاء.😭
لقد رحل الشاب الذي كان يرى الحياة بعين الأمل، وبقيت خلفه لوعة لا يداويها زمن، وقصة تذكرنا أن خلف كل "رقم" في الصراعات، هناك حياة كاملة، ومواهب فذة، وأم ترفض أن تصدق أن ولدها لن يعود لينشد لها مرة أخرى.💔💔
بقلم أم عبدالرحمن 😭
