اليوم العالمي للمرأة: اليمنيات بين ثقل الحرب وإرادة الحياة
تقرير سردي – أعده لمنصة صوت النساء/ عبير الحميدي
مع بزوغ الفجر في أحد مخيمات النزوح بمحافظة مأرب، تبدأ أمٌّ يمنية يومها قبل الجميع. تُشعل موقدًا بسيطًا أمام خيمة بالكاد تقي أسرتها برد الليل، وتفكر في كيفية توفير وجبة اليوم لأطفالها. لم تكن تتخيل قبل سنوات أن تصبح المعيل الوحيد لأسرتها بعد أن غيّرت الحرب مسار حياتها بالكامل.
هذه القصة ليست استثناءً في اليمن، بل واقع تعيشه آلاف النساء اللاتي وجدن أنفسهن في قلب واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم. ومع حلول اليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس، تتجدد الأسئلة حول واقع المرأة اليمنية: ماذا تغيّر في حياتها خلال سنوات الحرب؟ وهل منحتها هذه التحولات حضورًا أكبر في المجتمع، أم أنها أضافت أعباء جديدة إلى معاناتها؟
الحرب التي غيّرت الأدوار
منذ اندلاع الحرب في اليمن عام 2015، تغيرت ملامح الحياة اليومية لملايين اليمنيين، لكن تأثيرها كان أكثر وضوحًا على النساء. فقد أدى الصراع إلى فقدان آلاف الأسر لمُعيلها الأساسي، سواء بسبب القتل أو الاعتقال أو الغياب القسري أو النزوح.
وفي ظل هذا الواقع، تحولت آلاف النساء إلى معيلات رئيسيات لأسرهن، وأصبحن يعملن في مجالات متعددة لتأمين احتياجات أسرهن، من بيع المنتجات المنزلية إلى إدارة مشاريع صغيرة أو الانخراط في العمل الإنساني.
وترى أمل دحوان، نائب مدير مكتب الصحة بمحافظة مأرب، أن سنوات الحرب أحدثت تحولات عميقة في حياة النساء، موضحة أن الحرب وما رافقها من حالة عدم الاستقرار وانعدام الأمن أثرت بشكل مباشر على واقع المرأة اليمنية.
وتقول دحوان إن فقدان المعيل في كثير من الأسر، سواء بسبب القتل أو الإصابة أو الخطف، وضع النساء أمام مسؤوليات اقتصادية ونفسية واجتماعية كبيرة، مشيرة إلى أن الحرب الاقتصادية فاقمت معاناة الأسر مع استمرار انقطاع الرواتب لسنوات طويلة وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل كبير.
كما تضيف أن النزوح المتكرر الذي تعرضت له كثير من الأسر وضع النساء في ظروف معيشية صعبة، غالبًا ما تفتقر إلى الحد الأدنى من الخصوصية والخدمات الأساسية، وهو ما يزيد من الأعباء المادية والنفسية عليهن.
أرقام تعكس واقعًا قاسيًا
تشير تقديرات إنسانية إلى أن أكثر من أربعة ملايين يمني نزحوا من منازلهم بسبب الحرب، وتشكل النساء والأطفال النسبة الأكبر من هؤلاء النازحين.
كما وثقت تقارير حقوقية آلاف الانتهاكات بحق النساء خلال سنوات الصراع، في حين لا تزال مشاركة النساء في مواقع صنع القرار محدودة للغاية، حيث لا تتجاوز نسبتهن في المناصب القيادية بضعة في المائة.
وفي هذا السياق تقول المحامية ألفت الرفاعي إن واقع حقوق المرأة في اليمن اليوم يعد من أكثر الأوضاع تعقيدًا نتيجة استمرار الحرب والأزمة الإنسانية.
وتوضح الرفاعي أن سنوات الصراع أدت إلى تراجع ملحوظ في أوضاع النساء على مستوى الحماية والمشاركة في الحياة العامة، إلى جانب ارتفاع معدلات الفقر والنزوح وغياب الخدمات الأساسية، ما جعل النساء يتحملن أعباء إضافية داخل الأسرة والمجتمع.
انتهاكات وتحديات متزايدة
وبحسب الرفاعي، تواجه النساء في اليمن مجموعة من التحديات والانتهاكات المتداخلة، من بينها الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري لبعض الناشطات والعاملات في المجال الإنساني، إضافة إلى القيود المفروضة على حرية الحركة والعمل والمشاركة في الحياة العامة.
كما تشير إلى انتشار العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك العنف الأسري، إلى جانب حملات التشهير والابتزاز التي تتعرض لها بعض النساء عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتؤكد الرفاعي أن النزوح وفقدان المعيل يضعان النساء في مواجهة مسؤوليات اقتصادية واجتماعية كبيرة، ما يجعل أوضاعهن أكثر هشاشة في ظل الأزمة الحالية.
ضغوط نفسية متراكمة
لا تقتصر آثار الحرب على الجانب الاقتصادي أو الاجتماعي فقط، بل تمتد أيضًا إلى الصحة النفسية للنساء.
وفي هذا السياق تقول الأستاذة فاطمة الحرازي، مختصة في الإرشاد النفسي والأسري:
"الصحة النفسية في اليمن عموماً، وفي مأرب بشكل خاص، أصبحت من القضايا الملحّة في ظل الحرب والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية. النساء يتحملن ضغوطًا نفسية كبيرة نتيجة تراكم الأعباء داخل الأسرة، إلى جانب الخوف المستمر من المستقبل وعدم الاستقرار."
وتضيف الحرازي أن كثيرًا من النساء أصبحن يعانين من القلق والتوتر المزمن بسبب المسؤوليات الجديدة التي فرضتها الحرب، خاصة عندما تكون المرأة هي المعيل الوحيد للأسرة.
نساء يصنعن المبادرات
ورغم هذه الظروف القاسية، برزت في السنوات الأخيرة مبادرات نسوية عديدة في مجالات العمل المجتمعي والإنساني.
وتقول إحدى الناشطات في المجتمع المدني في مأرب إن الحرب وضعت النساء في مواجهة مسؤوليات غير مسبوقة، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن قدرتهن الكبيرة على القيادة والعمل المجتمعي، حيث تقود كثير من النساء اليوم مبادرات لدعم الأسر المتضررة وتعزيز التضامن المجتمعي.
بين الصمود والتحدي
لكن الطريق أمام النساء اليمنيات ما يزال مليئًا بالتحديات. فبحسب أمل دحوان، فإن استمرار الحرب وتدهور الوضع الاقتصادي يمثلان أبرز التحديات التي تواجه النساء اليوم مقارنة بما قبل الحرب.
وتشير إلى أن المرأة اليمنية أصبحت أكثر معاناة نتيجة تراجع فرص التعليم والعمل وضعف المشاركة المجتمعية، مؤكدة أن الفجوة بين واقع المرأة قبل الحرب واليوم باتت واضحة بشكل كبير.
اليوم العالمي للمرأة… رسالة للمستقبل
في اليوم العالمي للمرأة، تؤكد المحامية ألفت الرفاعي أن المرأة اليمنية ليست فقط ضحية للحرب، بل شريك أساسي في بناء السلام وإعادة إعمار المجتمع.
وتقول إن النساء اليمنيات أثبتن خلال السنوات الماضية قدرتهن على الصمود والعمل في مجالات الإغاثة والوساطة المجتمعية والدفاع عن الحقوق، مشددة على أهمية دعم مشاركتهن في صنع القرار وضمان حمايتهن من الانتهاكات وتمكينهن اقتصاديًا واجتماعيًا.
فمستقبل اليمن – كما تؤكد – لا يمكن أن يتحقق دون حضور فاعل للمرأة ودورها في بناء السلام والتنمية.
وفي بلد أنهكته الحرب، تظل المرأة اليمنية واحدة من أهم ركائز الصمود المجتمعي، وقوة خفية تحافظ على استمرار الحياة رغم كل الصعوبات.

