غدير العدني _ تعز
في زاوية منسية من حي المهمشين "عصيفرة" بمدينة تعز، حيث تتراكم بيوت الصفيح كقطع دومينو متعبة، يختبئ طفل يُدعى "حلمي" لم يكن اسمه مجرد اختيار عابر، بل كان نبوءة حزينة لحياة تطارد الأحلام وتلمسها، لكنها تعجز عن بلوغها.
من مقاعد الدراسة إلى أرصفة الشقاء
قبل سنوات قليلة، كان حلمي طالباً في الصف الخامس الابتدائي، يحمل حقيبة مدرسية بالية لكنها مفعمة بخرائط واسعة لمستقبل كان يراه مشرقاً. "كنت أريد أن أصنع شيئاً للمدينة، أن أكون مهندساً يبني الجسور أو طبيباً يداوي الجراح"، هكذا كان يردد في مخيلته وهو يستمع لصوت معلمته.
لكن الحرب في اليمن لم تكن مجرد عناوين أخبار، بل كانت "وحشاً" التهم أحلام الصغار قبل الكبار. ومع اشتداد وطأة الصراع، سكتت أجراس مدرسته، وتوقفت طموحاته عند حافة الخوف والاحتياج.
المسمار الأخير في نعش الحلم
نقطة التحول القاسية في حياة حلمي بدأت حين داهم المرض والده. بملامح شاحبة وسعال يمزق الصمت، شُخص الأب بمرض القلب والسكري. كانت عبارة أمه: "الأدوية غالية يا حلمي" هي المسمار الأول في نعش طموحه الشخصي، والشرارة التي دفعته ليصبح رجلاً قبل الأوان.
تخلى حلمي عن حقيبته المدرسية—التي كانت بمثابة أجنحته—واستبدلها بمكنسة ثقيلة وقطعة قماش لتنظيف السيارات. صار يستيقظ مع خيوط الفجر الأولى، لا ليراجع دروسه، بل ليكنس شوارع لم تكن يوماً ضمن خارطة دروس الجغرافيا التي أحبها.
جيل الأجنحة المكسورة
قصة حلمي ليست حالة فردية في "عصيفرة"؛ فهي تعكس واقع جيل كامل. في أزقة الحي، يرى حلمي أقرانه يتسكعون بين المقاهي أو يغرقون في وحل الإدمان والضياع. إنهم "أصحاب الأجنحة المكسورة" الذين أُعدم طموحهم على مذبح الإهمال وغياب الفرص.
وبينما تمتلئ تقارير المنظمات الدولية بعبارات "تكافؤ الفرص" و"العدالة الاجتماعية"، تبدو هذه الكلمات مجرد صدى بعيد لا يصل إلى أسوار هذا الحي المنسي.
كرامة مؤجلة تحت سقف من زنك
في إحدى الليالي الباردة، استرجع حلمي جملة قرأها يوماً في كتاب مدرسي: "يولد جميع البشر أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق". ابتسم بمرارة وهو ينظر إلى سقف منزله المثقوب، حيث تتسلل قطرات المطر لتنسكب فوق جسد والدته المنهك، تماماً كما تتسلل أحلامه من بين أصابعه.
يقول حلمي بلسان حال آلاف الأطفال في اليمن: "الكرامة ليست كلمات تُكتب، الكرامة هي جسر يُمد لنا لنعبر، وفضاء يُمنح لنا لنحلق". اليوم، لم يتبقَّ لهذا الصغير سوى الصبر، وهو صبر يشبه في قسوته "الاحتضار البطيء"، حيث يموت الحلم كل يوم.. وكل ساعة.

